لكل مجتهد نصيب

عالية الهملان: لكل مجتهد نصيب  مقولة طالما رددها الكثير بمختلف مشاربهم وطموحاتهم ، ولكنَّ القليلَ من يدركها إدراكاً صحيحاً ثم يعمل بموجبها.

فنقول لكل طالب المجد ، وطالب العلا ، وطالب الترقّي ، وطالب الاستقرار والرخاء ، وطالب رضا الله والجنّة … لكل مجتهد نصيب .
فتعالوا بنا لنقفَ وقفتين عند هذه المقولة الرائعة البليغة الجامعة :

أولاً : عند معناها :

فكلمة ” لكل ” تدل على العموم ، فهي تشمل عموم الناس بمختلف مشاربهم وجنسياتهم ومستوياتهم وقدراتهم ، وإنما يحدث التفاوت في النصيب , وكلمة ” مجتهد ” فالمجتهد : هو كل من بذل جهده للوصول إلى الهدف أو لتحقيق الهدف , وكلمة ” نصيب ” أي أجر وجزاء ما اجتهد له ، والجزاء الحسن على نوعين :

الأول الجزاء الدنيوي : وهذا يستوي فيه المؤمن والكافر وهذه تسمى حسنة الدنيا من توسيع الرزق والذكر الحسن ونحوهما .
ثانياً : عند شروط نيل النصيب أي الأجر والجزاء :

لكي ينالَ المجتهدُ النصيبَ فلابد من شروط :

الشرط الأول : تحديد الهدف :

فالهدفُ الدافعُ الأساسي للاجتهاد فبعدمه لا يجتهدُ الإنسان ، فإذا كان هدفُ الطالب حفظَ القرآن ، أو نيلَ شهادة عليا بكلاريوس وما بعدها ، أو ليكون عالماً ، أو غير ذلك ، فهذا يتطلبُ منه اجتهاداً ، ونصيبُه من الهدف يكون بمقدار جهده كما قال صلى الله عليه وسلم : (( إنما العلم بالتعلم ، وإنما الحلم بالتحلم ، ومن يتحر الخير يعطه ، ومن يتق الشر يوقه )) فالجنة غالية تنال بالسعي والاجتهاد ، لا بالأماني الكاذبة والكسل.

الشرط الثاني لنيل النصيب :سلوك الأسباب المحققة للهدف أو للوصول إلى الهدف :

ومن هذه الأسباب :

السبب الأول : الإرادة الجازمة والعزيمة الصادقة :

فبالإرادةِ الجازمةِ من غير شكٍ أو ترددٍ أو تململ , وبالعزيمةِ الصادقةِ من غير تراجعٍ أو جبنٍ أو خوفٍ , يمكنُ للإنسانِ أن يصلَ إلى هدفه ويحققَ مطلوبَه , قال تعالى لنبي الله يحيى – عليه السلام – : (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْم صَبِيًّا) { مريم : 12 } ولا يكون الإنسان جاداً إلا إذا كان صاحبَ إرادةٍ وعزيمةٍ لأن الجدَّ العلامةُ الظاهرةُ للإرادةِ الجازمةِ والعزيمةِ الصادقةِ.

السبب الثاني : الاستعانة بالله تعالى :

فلا يمكن الوصول إلى غاية إلا بعون من الله تعالى سواء كانت عبادةً أو أمراً دنيوياً قال تعالى في العبادة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) { الفاتحة : 5 }

السبب الثالث : عدم العجز والكسل :

فالعجز وهو الكسل والخمول يمنع الإنسان من تحقيق الهدف أو الوصول للهدف ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتقدم ( واستعن بالله ولا تعجز ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوّذ من العجز والكسل، ومن دعائه صلى الله عليه وسلم ( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، ومن العجز والكسل ، ومن الجبن والبخل ، ومن ضلع الدين وغلبة الرجال ) رواه الترمذي .
فالكسلُ داءٌ خطير يحطّمُ الأماني ويميتُ الهممَ ويُفشِلُ الأعمالَ , ويؤدّي إلى إهمالِ الحقوق وإضاعتها , وينشرُ البطالةَ في المجتمع فهو يُفسُدُ البلاد والعباد .

ومن أسباب الكسل :

أولاً : غيابُ الهدف أو عدمُ تحديده والتخطيط له.

ثانياً : غياب استشعار ثمرة العمل ( أي الجزاء الحسن ) أو الجهل به .

ثالثاً : قلة الذكر : فإن ذكر الله يورث قوة ونشاطاً .

رابعاً :تعويدُ النفس على الدعاء والراحة لقوله صلى الله عليه وسلم : (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني ) رواه الترمذي.

السبب الرابع : سلامة الطريق المتّبعة للوصول إلى الهدف :

ففي الطريق قطاعٌ لا بد من الحذر منهم بالاستعداد بما يدفعهم ويمنعهم من إعاقة طريقك , ومن هؤلاء : النفس الأمارة بالسوء , والهوى ،والشيطان , فهؤلاء الثلاثة يشكّلون على الإنسان لوبي ثلاثي ، فإن لم يحذرهم فإنهم يعيقون طريقه ويفشلون هدفه السامي النبيل , ولذلك حذّر الله منهم فقال تعالى عن النفس :

(وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ ) { يوسف : 53 الميل لتحقيق رغبات النفس وشهواتها , وقال تعالى عن الشيطان : (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) { فاطر : 6 } ولا نغفل عن شياطين الإنس فإنهم غواةٌ مخذِّلون ودعاةٌ إلى الفشل والرذيلة .

السبب الخامس : ملازمةُ ومصاحبةُ من يشتركون معك في الهدف :

فإذا كان هدفك أن تكون متفوّقاً فصاحب وجالس المتفوّقين لا الفاشلين , وإذا كان هدفُك التجارةَ فاقترب من التجّار واعمل معهم , وإذا كان هدفُك رضا الله والجنة فصاحب وجالس الصالحين , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( المرء على دين خليله ؛ فلينظر أحدكم من يخالل ) رواه أبو داود والترمذي وحذاري حذاري الغشاشين والمخادعين والمكّارين ، فإن كلاً من الغش والخداع والمكر عاقبته خسرا.

وفي الاخير

أن من جدَّ وجد , ومن سهر الليالي بلغ المعالي .

وقول الشاعر :

لا تحسب المجدَ تمراً أنت آكلُه ** لن تبلغَ المجدَ حتى تلعق الصُبرَ
فإذا أردت النصيب فاجتهد , فإن لكل مجتهد نصيب .

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الاجتهاد والسداد في القول والعمل وأن يسدد خطانا ويحقق رجانا ويجعلنا من الفائزين .
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والحمد لله رب العالمين

alyaa.bh